ابن أبي الحديد

194

شرح نهج البلاغة

ولقائل أن يقول أن الملوك قد يؤمرون الامراء على الجيوش لوجهين : أحدهما أن يقصد الملك بتأمير ذلك الشخص أن يسوس الجيش ويدبره بفضل رأيه وشيخوخته وقديم تجربته وما عرف من يمن نقيبته في الحرب وقود العساكر ، والثاني أن يؤمر على الجيش غلاما حدثا من غلمانه أو من ولده أو من أهله ، ويأمر الأكابر من الجيش أن يثقفوه ويعلموه ، ويأمره أن يتدبر بتدبيرهم ، ويرجع إلى رأيهم ، ويكون قصد الملك من ذلك تخريج ذلك الغلام وتمرينه على الامارة ، وأن يثبت له في نفوس الناس منزلة ، وأن يرشحه لجلائل ( 1 ) الأمور ومعاظم الشؤون ، ففي الوجه الأول يقبح تقديم المفضول على الفاضل ، وفى الوجه الثاني لا يقبح ، فلم لا يجوز أن يكون تأمير أسامة عليهما من قبيل الوجه الثاني ؟ والحال يشهد لذلك ، لان أسامة كان غلاما لم يبلغ ثماني عشرة سنة حين قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فمن أين حصل له من تجربة الحرب وممارسة الوقائع وقود الجيش ما يكون به أعرف بالإمرة من أبى بكر وعمر وأبى عبيدة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم ! ومنها قول قاضي القضاة : إن السبب في كون عمر في الجيش أنه أنكر على عبد الله ابن عياش بن أبي ربيعة تسخطه إمرة أسامة ، وقال : أنا أخرج في جيش أسامة ، فخرج من تلقاء نفسه تعظيما لأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وقد اعترضه المرتضى فقال : هذا شئ لم نسمعه من راو ، ولا قرأناه في كتاب ، وصدق المرتضى فيما قال ، فإن هذا حديث غريب لا يعرف . وأما قول عمر : دعني أضرب عنقه فقد نافق ، فمنقول مشهور لا محالة ، وإنما الغريب الذي لم يعرف كون عمر خرج من تلقاء نفسه في الجيش مراغمة لعبد الله بن عياش ابن أبي ربيعه ، حيث أنكر ما أنكر ، ولعل قاضي القضاة سمعه من راو أو نقله من كتاب ، إلا أنا نحن ما وقفنا على ذلك .

--> ( 1 ) ب : " بجلائل " ، وما أثبته من ا ، د . ( 2 ) ا : " سخطه " .